العملة السورية الجديدة – قراءة نقدية بصرية.

العملة ليست مجرد وسيلة تبادل تجاري وحسب، بل وثيقة سيادية مصغّرة، تحمل في مساحتها المحدودة سردية دولة كاملة: تاريخها، ثقلها الرمزي، صورتها عن ذاتها، والصورة التي تريد تصديرها للعالم. من هذا المنطلق، لا يمكن النظر إلى تصميم العملة السورية الجديدة كتمرين جمالي أو كاختيار زخرفي محايد، بل كقرار بصري يحمل أبعاداً ثقافية عميقة.

عند النظر إلى الفئات التي كُشف عنها حتى الآن، يبرز خيار تصميمي واضح: الاعتماد شبه الكامل على المنتجات الزراعية كرموز أساسية للهوية البصرية. الزيتون، القمح، القطن، التوت، الورد… عناصر جميلة بلا شك، لكنها في هذا السياق تُستخدم بوصفها اختزالاً لهوية بلد لا يمكن اختزاله.

اختزال سوريا إلى “منتِج”

سوريا ليست دولة زراعية فحسب، بل فضاء حضاري عمره آلاف السنين. هي إحدى أقدم بقاع الاستيطان البشري، ومهد أول أبجدية، وملتقى حضارات كبرى تركت بصمتها في العمارة والفكر والقانون والفن. حين يتم اختصار هذا الإرث الهائل في رموز زراعية، فإن العملة لا تعكس هوية سوريا، بل تُسطّحها.

في تصميم العملات، الرمز لا يُختار لأنه مألوف أو “لطيف بصرياً”، بل لأنه قادر على حمل معنى جمعي طويل الأمد. هذا ما تؤكد عليه المؤسسات النقدية الكبرى، ومنها Bank for International Settlements، التي تعتبر العملة أداة تعبير سيادي قبل أن تكون أداة تداول.

الغياب الصادم للأوابد التاريخية

الأكثر إرباكاً في هذا الإصدار هو الغياب الكامل لأي أثر تاريخي. لا تدمر، لا أوغاريت، لا الجامع الأموي، لا قلعة حلب، ولا حتى رمزية مجردة مستوحاة من العمارة السورية القديمة. هذا الغياب لا يمكن اعتباره صدفة، بل هو قرار واعٍ، لكنه قرار يطرح سؤالاً جوهرياً:
لماذا تم إقصاء الذاكرة المعمارية والحضارية من أهم وسيط بصري رسمي؟

العملات حول العالم تُستخدم كوسيلة “تأريخ صامت”. كل فئة ورقية تروي جزءاً من القصة الوطنية. تجاهل هذه الوظيفة يحوّل العملة إلى سطح مزخرف بلا عمق.

الوجه الخلفي الموحّد: اختزال السرد البصري

لم يتم الكشف حتى الآن عن الوجه الخلفي للفئات النقدية الجديدة لكن بحسب الصور المتداولة، يحمل الوجه الآخر لجميع الفئات صورة موحّدة لمبنى المصرف المركزي. من منظور تصميمي، هذا خيار ضعيف، لأنه يقتل أي تسلسل بصري بين الفئات، ويحوّل نصف مساحة العملة إلى عنصر مكرر فاقد للدلالة.

الممارسات العالمية الرصينة، كما في تصاميم البنك المركزي الأوروبي أو بنك إنجلترا، تعتمد إما:

  • تطوراً بصرياً متدرجاً للعنصر ذاته
  • أو تنوّعاً مدروساً يعكس اختلاف القيم

أما التوحيد الكامل، فهو حل إداري، لا تصميمي.

اللغة اللونية: ألوان صارخة

على المستوى اللوني، تعاني بعض الفئات من تقارب واضح في الطيف اللوني بينها، ما يضعف التمييز البصري السريع، وهو عنصر أساسي في تصميم العملات، خصوصاً لكبار السن وذوي الحالات البصرية الخاصة. هذا يتعارض مع معايير ISO 9241 ومع إرشادات التباين اللوني المعتمدة دولياً.

الأكثر إشكالية هو اختيار ألوان عالية التشبع، صارخة، أقرب إلى منتجات استهلاكية سريعة منها إلى وثيقة نقدية لدولة ذات تاريخ عميق.
العملات الناجحة لا تستخدم اللون لإبهار العين، بل لخلق شعور بالثبات، الجدية، والاستمرارية. الألوان الهادئة، الأرضية، أو الباستيل المدروس ليست خياراً جمالياً فقط، بل خيار رمزي يعبّر عن النضج التاريخي.

مشكلة جوهرية: غياب الرؤية

المشكلة الحقيقية في هذا الإصدار ليست في عنصر واحد، بل في غياب رؤية بصرية متكاملة. لا توجد قصة، لا يوجد تسلسل، ولا يوجد حوار بين الفئات. هناك صور جميلة منفصلة، لكنها لا تشكّل نظاماً بصرياً يعكس دولة بحجم وتعقيد سوريا.

خلاصة

العملة السورية الجديدة منفذة تقنياً بمستوى مقبول، لكنها:

  • فقيرة رمزياً
  • مختزِلة للهوية
  • وتفتقر للهيبة البصرية التي تليق بتاريخ سوريا

كان يمكن لهذا الإصدار أن يكون فرصة لإعادة سرد الهوية السورية بلغة معاصرة عميقة. لكنه اختار الطريق الأسهل: الزخرفة بدل الذاكرة، واللون بدل المعنى، لكنه على الأقل خطوة جديدة في طريق التخلص من صور آل الأسد.

أضف تعليق

اكتشاف المزيد من Hosam Baghdadi

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

مواصلة القراءة