حسام بغدادي – اسطنبول
تم خلال الأيام القليلة الماضية الإفصاح عن تغيير عملاق شبكات التواصل الاجتماعي “فيسبوك” لإسمه حسب ما صرّح به مديره التنفيذي مارك زوكربيرغ.
وبما أن فيسبوك قد تبنّت اسم “Metaverse” كإسم جديد لها، فقد أصبح هو الإسم الجديد الذي تنطوي تحته منتجات فيسبوك سابقاً، ليصح الاسم المرافق للشركة الأم المالكة لتطبيقات وبرمجيات فيسبوك.
ولكن ما هو الـ Metaverse؟ أو بمعنى آخر ما هي دلالته؟
حرفياً الكلمة مقسومة إلى شقين هما Meta أي “ما وراء” و Vers “المشتقة من الكون” ولكنها في هذا السياق تأتي بمعنى العالم الافتراضي والذي يضم جوانب عدّة منها التواصل الاجتماعي والألعاب التفاعلية والواقع المدعّم والواقع الافتراضي والعملات الرقمية التي تتيح للمستخدمين التداول رقمياً.
رغم أن فيسبوك لم يكن موقع التواصل الاجتماعي الأول، فقد سبقه في هذا الكثير من المواقع التي راجت في حينها ويذكرها مستخدموا الانترنت القدامى مثل Myspace و Hi5 إلّا أنه كان من دون منازع الأضخم على الإطلاق ليتحول إلى حوت استطاع ابتلاع منافسيه مثل Instagram و Whatsapp ليشتريها ويضمها لامبراطوريته.
البحث الدائر هنا ليس حول التعريف بفيسبوك وانما حول الخطوة ذاتها وما دلالتها!! ولماذا جاءت في هذا التوقيت بالتحديد وبهذا الشكل المفاجئ.
بداية يجب أن تفهم كمستخدم لفيسبوك وكل ما ينطوي تحته من اسماء أخرى تستخدمها مجاناً، أنك تدفع ثمنها بنفسك أي أنك أنت السلعة المشتراة، ورغم أن فيسبوك حاول ولو ظاهرياً إبقاء تطبيقاته الأخرى على نفس الوتيرة التي كانت عليها قبل استملاكها، إلا أنه زاد طغياناً في فيسبوك نفسه من حيث تعامله مع المستخدمين.
يمكن تلخيص حالة فيسبوك بأنه متنمر كبير ضخم البنية ولكنه صغير العقل، فهل مهيمن على سوق شبكات التواصل الاجتماعي لكنه بنفس الوقت يسيئ لمستخدميه بشكل مباشر، طبعاً سأتحدث في مقال آخر عن الاختراق الأمني الكبير الموجود في فيسبوك، وكيف أنه يمكن لقرصان مبتدئ اختراق حسابك الخاص رغم إعدادات الأمان الضعيفة جداً في الأصل، إلا أنني هنا سأركز على النقاط السلبية التي يواجهها المستخدم المباشر عند تعامله مع قوانين الموقع.
طبعاً إذا كنت تستخدم فيسبوك لتصفح صور أصدقاءك أو متابعة صفحات الإعجاب فإن تجربتك السيئة ستنحصر في أن الموقع يمكن له أن يحظر حسابك دون أي سابق إنذار، متهماً إياك بتجاوز شروط الاستخدام التي لم تقرأها أصلاً، ولكنني قرأتها بنفسي و وجدت أنها فضفاضة جداً وربما هو ما تقصده فيسبوك بستطيع حظر من يشاء وقتما يشاء بنفس الحجة دائما وهي “تجاوز شروط الاستخدم”.
وقد أصبح فيسبوك مهووساً بحظر الحسابات تحت هذه الحجة، حتى أنه (وعن تجربة شخصية) تم حظر حساب خاص أنشأته بنفسي فور إنشاءه تماماً بحجة أنه ينتهك شروط الاستخدام (التي تم تستخدم أصلاً) وهذه القرارات هي في الغالب غير قابلة للاستئناف، فكيف لك أن تحظر مستخدماً دون أي طريق للعودة؟ وهو ما يخالف تماماً مبدأ رضى العميل في أبسط أشكال التسويق والمنافسة، في حين أنك ترى في غوغل مثلاً إمكانية لحل أي مشكلة مهما كانت دون التسبب بخسارة حساباتك التي غالبا ما قد تكون مرتبطة بأعمال أخرى وضياعها يعني خسارات كبيرة للمستخدمين.
عند محاولة إنشاء صفحة جديدة تابعة لنشاط تجاري مثلاً ستجد فيسبوك يرفض إنشاء الصفحة بحجة أن الاسم المختار (اسم النشاط التجاري) لا يجاري شروط الاستخدام وأن فيسبوك يقترح كاسم بديل (نفس الاسم المرفوض أساساً)، فكيف لموقع مثل فيسبوك أن يعاني من مثل هذه الفجوة دون حتى وجود وسيلة للاعتراض أو مراجعة هذا الخطأ، فتبقى مكتوف الأيدي غير قادر على إنشاء صفحة عملك التجاري فقط لأن الموقع يرفض اسمه.
إذاً، لماذا يلجأ فيسبوك على تغيير علامته التجارية (Rebranding)؟
يمكن تلخيص هذا بسببين فقط:
- التميز عن المنافسين:
وهو ما لم يثبته فيسبوك بخطوته تلك، حيث انه مازال ضمن البنية ذاتها التي كان يعمل بها، فعنصر التميز عن المنافسين في سوق شبكات التواصل الاجتماعي ما زال غائبا في خطوة التحول إلى META
- التخلص من الصورة السلبية:
وهذا ما يجب التركيز عليه، فقط أصبح فيسبوك مكروهاً تقريبا من كل مستخدميه، بداية من المستخدم العادي وحتى المستخدم العميق لخدمات الموقع، فعند استخدامك فيسبوك فأنت معرض لإعلانات كثيرة تشغل حيزاً كبيراً من تجربة استخدامك للموقع، وأصبحت تواجه قلة في التفاعل مع منشوراتك بسبب قلة الوصول إلى أصدقائك الذين بدورهم أيضاً بدؤوا بمغادرة فيسبوك نحو منصات أخرى.
ومن جهة أخرى فإن كنت مستخدماً عميقاً لفيسبوك، فلا بد أنك تعرضت لهبوط شديد في نسب واحصائيات وصولك إلى جمهورك عبر التمويل والترويج الإعلاني ولاحظت الارتفاع المهول في كلفة الضغطة أو الرسالة او التفاعل الواحد مع اي من منشوراتك التجارية حتى بات فيسبوك بمثابة شريك لك يستحوذ على جزء كبير من أرباحك، والأهم من كل هذا هو التعقيد الشديد في استراتيجيات الترويج وامكانية إدارة الحسابات المروّجة وهو ما بات يتطلب اختصاصيين في البنية التحتية للموقع ما ينافي على كل الأصعدة المبدأ الأهم في مثل هذه المناصات وهي سهولة الاستخدام (user friendly) وهو ما تميزت به Google دون منازع ولحقتها في ذلك شركات مثل مايكروسوفت مثلا التي تتيح لك استخداماً شبه كامل لانظمتها وبرامجها بواجهة سهلة و واضحة.
للأسف فيسبوك لا يتعامل مع عملائه و روّاده بالصيغة الودودة التي يدّعيها بل يعتبرهم (بقرة حلوب) يبتزها حتى القطرة الأخيرة دون أي مراعاة (لشروط الاستخدام والخصوصية والأمن الاجتماعي) التي يمكن لفيسبوك أن يحظرك بمجرد اشتباهه باختراقك لها.
الصورة السوداء لفيسبوك ليست وليدة اللحظة بل هي نتيجة تراكمات منذ بداية إنشاءه حتى سجّل في تاريخه أكثر من 16 فضيحة تمس أمن وخصوصية المستخدمين وتجاوز فيسبوك لأخلاقيات الأمن الاجتماعي منها:
- في 2013 قام أحد القراصنة بالتبليغ عن فجوة أمنية في فيسبوك دون أن يجد ردّاً من أحد فقام باختراق حساب مارك زوكربرغ نفسه ونشره الفجوة الأمنية على صفحته الشخصية.
- في 2014 واجه فيسبوك نقداً حول استخدامه اختبارات نفسية على مستخدميه دون إذن منهم حيث قام بإزالة كلمات معينة من المنشورات المعروضة لدى 70000 من مستخدميه ليرصد مدى تغير تفاعلهم مع هذه المنشورات.
- واجهت الشركة انتقاداً حادّاً بعد اتهامها بالتلاعب بنتائج الانتخابات الأمريكية في 2016 والتي لم تستطع فيسبوك انكارها مرغمة مارك زوكربرغ على الاعتذار رسمياً والقول بأن الشركة تسعى لتطوير نفسها نحو الأفضل.
- في 2018 نُشرت فضيحة كامبريدج أناليتيكا (Cambridge Analytica) التي استحوذت على بيانات الملايين من مستخدمي فيسبوك خلال انتخابات 2016.
- اتهام فيسبوك بترويج حملات ضد مسلمي الروهينغا في 2018 من خلال إخفاء المنشورات المتعلقة بالمجاز التي تعرضو لها في ميانمار.
- في 2019 قامت لجنة التجارة الفيدرالية بتغريم فيسبوك بمبلغ 5 مليار دولار نتيجة تجاوزه سياسات خصوصية المستخدمين.
- في 2019 أيضاً قرر فيسبوك إطلاق عملته الرقمية الخاصة ما أدى لاستدعاء مارك زوكربرغ للمثول أمام لجنة من مجلس النواب حول التأثيرات المالية واللوائح التجارية لفقدان الثقة حول عملته الجديدة.
- في 2019 تم تسريب أكثر من 4000 صفحة من المستندات الداخلية لفيسبوك من دعوى أحد المبرمجين ضد فيسبوك لمنع المبرمجين من الوصول إلى برمجياتهم المتصلة بفيسبوك ونيّتها تعقّب مواقع مستخدمي نظام اندرويد وجمع بياناتهم.
- رفض زوكربرغ إزالة منشور الرئيس ترامب آنذاك الذي كتب فيه “عندما يبدأ النهب ، يبدأ إطلاق النار” حيث تتبنى الشركة سياستها المتمثلة في استثناء الشخصيات المشهورة من قواعد المحتوى. هذه الخطوة دفعت معلني فيسبوك إلى مقاطعته.
وغيرها من الفضائح التي يطول ذكرها في مقال واحد.
خلاصة :
فيسبوك يحاول أن يدفع مستخدميه للتعامل معه بصفحة بيضاء جديدة ولكن لا يبدو أنه على استعداد للتخلي عن سياساته السابقة والمتنمرة تجاه مستخدميه.
تغيير اسمه جاء ليمحو ما ارتبط باسمه من سلبيات وفضائح فهل سيكون الاسم الجديد مرافقاً لسياسات جديدة؟ حتى الآن لا أجد ما يبشر بذلك لا سيما كمصمم اعتاد الحكم على الكتاب من غلافه فإن فيسبوك يبدو أنه لم يحاول حتى بذل الجهد الكافي في ايجاد شعار يجسد توجهه الجديد فكيف إذاً بسياسته؟


