قبل أمس كنت قد احتلفت (دون احتفال) بالذكرى المرجانية (Coral Anniversary) لوجودي في هذا العالم أو ما يمكنني تسميته بعيد ميلادي الـ 35.
لم أشأ وبعد أن وصلت هذا الحد من النضوج والحكمة إلا أن أعبر عمّا يعتريني من شعور، وما استخدامي لكلمة كـ (يعتريني) إلا بداية حكمتي.
- بداية لا يمكن لأي إنسان أن ينتظر وصوله لعمر الـ 35 أو بمعنى آخر لا يمكن لأحد أن يدرك أنه في طريقه للـ 35، فهو رقم يباغتك فجأة دون سابق إنذار، فما أن تكون شاباً يافعاً مراهقاً في (طعشات) عمرك إلا لتجد نفسك فجأة وقذ برزت أولى شعراتك البيض، والتي لم تعرها اهتماماً عند ظهورها منذ عامٍ أو عامين ولكنك أدركت اليوم وأنت تعدّ أخواتها أنها لن تكون الوحيدة في رأسك.
- لوهلة تشعر أنك لم تمرّ بعشرينات عمرك! أين ذهبت؟ كيف مضت؟ تحاول استرجاعها فلا تجدها إلا صوراً تمر مشوشة في ذاكرتك، ولعلّ تذكر كبار السن لذكريات عشريناتهم المشوشة يبدأ من الـ 35.
لكن، لماذا الـ 35 تحديداً؟ لما ليست 30 أو 40؟ ربما لأن عمر الثلاثين يكون لحظة فخر يظن بها الإنسان أنه وصل مبلغ النضج دونما إدراك منه أنها امتدادٌ لطيشه السابق، وربما لأن الأربعين تكون قد اكملَت ما قبلها فلا تعود تنظر لماضيك الطائش بل لحاضرك الرزين.. أو ربما الرزيل حسبما تختار لنفسك. - ستشعر عند بلوغك الـ 35 أنك على بُعد خطوات بسيطة عن الـ 40، ذلك الرقم الضخم، ذلك السنّ الذي لطالما كنت تراه سن الـ (عمّو)، ذلك السنّ الذي كنت تظن ان وصولك إليه سيسغرق منك أكثر من 40 سنة، ولكنه باتَ هنا ينتظرك…
- هل سمعت والدك يوماً ينتقد ما تستمع إليه من موسيقى؟ هل فكرت يوماً قائلا: “يااااه كيف لكل جيل أن يرى موسيقاه هي الأفضل”… حسناً، استعد لتعتبر موسيقاك هي الأفضل، لأنك بتّ الآن تتأفف مما تسمعه من أغانٍ، متذكراً الزمن الجميل، زمن بريتني سبيرز.
- هل فكرت يوماً كم تشتاق لأن تكبر وتتخلص من كل سلطة تقيدك؟ لتستطيع أن تسهر وتعود للبيت مع طلوع الفجر، لتستطيع ان تعيش بجنون أو مجون حسبما تختار لنفسك أيضاً! أنت الآن سيد نفسك ولكنك تفضل العودة للمنزل لترمي وراء ظهرك عناء يوم كامل، مسترخياً مع كأس شاي ساخن ويا حبذا لو كان بالنعناع، متلمّساً كرشك الذي بدأ بالظهور.
- أتذكر ما كنت تقوم به يوماً؟ ما كنت تظنه تحديّاً و (هضامة)، لن تستطيع فعله الآن حتى وإن شئت، ما كنت يوماً قادراً على فعله لم يكن كما تظن، أنك قادر فعلا|ً على فعله، بل لأنك لم تكن تظن أنك بعلك هذا قد تواجه عواقب فعلتك.
- مادياً: لربما سمعت عن ضرورة جمع مليونك الأول قبل الثلاثين، لكن على الأغلب لم ينبهك أحد إلى أن تقوم بذلك فعلاً.. أن تبدأ فعلا بالاستثمار في نفسك ومالك، أن تضع خطتك نصب عينيك لترى المليون الأول بين يديك عند الثلاثين، ربما لا يفكر أحدنا في ذلك لأنه غالباً يرى أن الاستقرار سيأتي عندما تكبر ولكن لمتى تكبر؟ هذا ما يغيب عن ذهنك.
- ستجد أن كلمة (طموح) كلمة فضفاضة جداً، وستجد جوابك على سؤال معلمتك في الصف الأول: “ماذا تريد أن تصبح حين تكبر؟” مغايراً جداً لما أنت عليه اليوم، أو ربما إن كنت من المحظوظين، قد تجده يصب في أحد أفرع ما تمنيته يوماً وأنت صغير.
- سترى أن علاقتك مع من حولك لا تبنى بمدة معرفتك بهم ولا تقاس بقرب المسكن أو الصلة أو الدم أو غيره بل بالمواقف عند الحاجة، وستجد في نفسك حنيناً لمن كانت معرفتك به يوماً لا تتجاوز تبادل التحية مع شتيمة صغيرة عندما يدير ظهره مبتعداً.
- ربما أكثر ما يثير القلق في وصولك الـ 35 هو غياب شغفك، او لنقل صعوبة الحفاظ عليه متّقداً، فغياب الشغف يقع وقع الشتيمة في أذني، ربما هي المسؤولية المتزايدة يوماً بعد يوم! أو ربما هي اختلاف الأولويات، لكنها بلا شك تودي بك لكبت أفكارٍ تدور في رأسك كخلية نحل فلا يخرج منها إلا نحلة واحدة هاربة تدلك على أن الخلية كانت هنا.
- ستحمل داخلك الكثير لتقوله والكثير لتكتبه، لكنك في نهاية المطاف ستكتفي بطرح اليسير مما يتداخلك، لا لشيئ، بل لأن لديك ما ينتظر فعله ولا تملك من الوقت ما يكفي لصياغة كل ما لديك كمقالي هذا الذي فكرت فيه لأيام قبل بلوغي الـ 35 وما زلت أحاول كتابته منذ يومين.
- نهاية، عند إتمامك عامك هذا تكون قد أنهيت نصف عمرك الإفتراضي كإنسان، راجع ما أنجزته، انظر لما خلّفته حتى الآن، إن لم تجد حتى الآن ما تحكيه لأطفالك (الذين يفترض أن يكونوا أمامك الآن) فراجع نفسك، وانظر للنصف الآخر القادم ولا تسمح له أن يمرّ مرور الكرام.


